ابن الجوزي
112
كشف المشكل من حديث الصحيحين
[ صلى الله عليه وسلم ] الصواب ، فالمعنى : لا تعملوا بآرائكم وتثبتوا . فأما الصلح ( 1 ) فإن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] لما قصد العمرة ورده المشركون واصطلح هو وهم في غزاة الحديبية على أن يرجع عنهم تلك السنة ويعود في العام القابل ، وكتبوا بينهم كتابا ، وكان فيه : أن من أتى محمدا منهم بغير إذن وليه رده إليه ، ومن أتى قريشا من أصحاب محمد لم يردوه ، وهذا الذي أزعج عمر ؛ لأنه رأى أن في هذا نوع ذل ، ولهذا قال : ففيم نعطى الدنية ؟ يعني النقيصة . وكان رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أعلم بالمصلحة . وكان الذي تولى مصالحة رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من المشركين سهيل بن عمرو ، فخرج ابنه أبو جندل من مكة في قيوده ، فجاء إلى النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ، فقال سهيل : هذا أول ما أقاضيك عليه ، فرده النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ، وقال : « يا أبا جندل ، قد تم الصلح بيننا فاصبر حتى يجعل الله لك فرجا ومخرجا » وإلى هذا أشار سهل بن حنيف بقوله : لو أستطيع رد أمر رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] لرددته . وقد كان لسهيل بن عمرو ولد يقال له عبد الله شهد بدرا ، وأخباره مشهورة ، فربما ظن بعض طلاب الحديث أنه أبو جندل ، وليس كذلك ، ذاك يكنى أبا سهيل ، وأبو جندل لا يعرف له اسم ، وأمهما فاختة بنت عامر بن نوفل بن عبد مناف ، وكلا الولدين أسلم بمكة قديما ، وأما عبد الله فهاجر إلى الحبشة ثم قدم فأوثقه أبوه وفتنه ، فلما ظن أنه قد رجع عن دينه خرج معه به يوم بدر ، فلما التقوا انحاز عبد الله إلى المسلمين ، فشهد بدرا مسلما ، وقتل باليمامة شهيدا .
--> ( 1 ) ينظر أخبار الحديبية في « السيرة » ( 3 / 308 ) ، و « المغازي » ( 2 / 571 ) ، و « تاريخ الإسلام - المغازي » ( 363 ) ، وما بعد ذلك من الصفحات .